
تأليف الدكتور/ ابراهيم ابو خزام
يقول الكاتب في مقدمة كتابه,إنه محاولة سريعة وليست متسرعة للاطلال على المستقبل , إنها محاولة لقراءة المستقبل قبل فوات الأوان.
أي أنه يندرج ضمن الدراسات المستقبلية واستشراف المستقبل وهو ما درج عليه المؤلف في كتاباته الأخيرة, وهذا النوع من الدراسات تفتقر إليه المكتبة العربية بصفة عامة ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب .
يرى المؤلف أن العالم بداْ يتشكل من جديد وأنه قد تتم المحافظة على الكيانات القائمة لكن مناطق الهيمنة والمصالح والنفوذ ستتغير كما تتغيرالتحالفات.
يأتي الكتاب في مقدمة و تمهيد و أربعة فصول وخاتمة.
يلقي الكاتب نظرة على أواخر القرن التاسع عشر منذ إعلان إستقلال أمريكا عام 1776 حيث يرى أن أمريكا ظهرت كأمة عازمة على بناء دولة حديثة يضبطها أول دستور عصري مكتوب , على قارة شاسعة بكر مليئة بالموارد جمعت مغامرين حالمين وقد إختطت لنفسها سياسة الإعتدال وكان مبداء مونرو تتويجاًعمليا لهذه السياسة ، ويرسم صورة الولايات المتحدة مطلع القرن التاسع عشر ,دولة نامية جيشها صغير لا يتجاوز 25ألف رجل وبحريتها أصغر من إيطاليا وحتى عام 1914 كان الجيش الروسي يساوي عشرة أضعاف الجيش الأميركي ،هذه الفترة الإنعزالية بلورة طريقة حياة مميزة شهدت نهضة كبرى من الافكار والمبادىء وتحولت الدولة منذ عام 1855 م إلى قوة صناعية عالمية وخلال هذه الفترة رتبت أوضاع القارة وشقت قناة بنما وتم أنهاء الوجود الأجنبي من القارة .
بهذه الإجراءات رسمت قوس الهيمنة الأول في تاريخها السياسي والذي إستمر قرناً بكامله لكنه كان ضرورياً للإعداد لوثبات أخرى وأقواس جديدة .
يتناول الفصل الاول مرحلة اندحار العزلة أو لأنتقال ،فكما يوصف القرن التاسع عشر بأنه قرنا بريطانيا فأن القرن العشرين قرنا أمريكيا ، حيث بداء الجدل حول سياسة الانعزال وكان مذهب ( روزفلت ) يقوم على عقيدة الحرب كمحرك للعلاقات الدولية وجاءت الحرب العالمية الأولى كتجربة للسياسة الامريكية ، حيث حققت الولايات المتحدة بحيادها زيادة انتاجها وتنمية صادراتها واصبحت المصدر الرئيس للامدادات لكل المتحاربين ، وكان من ابرز نتائج الحرب العالمية ألأولى بروز الولايات المتحدة كقوة عظمى ورسمت قوس الهيمنة الأول ، حيث أصبحت بلدان أوربا الغربية منذ ذلك التاريخ منطقة نفوذ أمريكي .
مع أندلاع الحرب العالمية الثانية بدأ قوس الهيمنة في التوسع ، ومع نهايتها أمتد لافق بعيد حيث شمل دول أوروبا الغربية ووسطها وتركيا إضافة لليابان ومعظم الجزر الاسيوي ، أي انه تقدم نحو الشرق حيث اصبح يمتد من الشواطي الشرقية للاطلسى الى تركيا وكان جدار برلين آخر نقطة وصل اليها النفوذ الامريكي ، حيث خضعت دول أوروبا الشرقية للنفوذ السوفيتي ليستمر طيلة حقبة الحرب الباردة لأربعة عقود, وبسقوط الاتحاد السوفيتي تحولت أوروبا الشرقيةإلى منطقة من أهم المناطق النفوذ الأمريكي .
ويتناول الفصل الثاني أقواس الهيمنة في القرن الحادي والعشرين حيث يرى المؤلف أن السنوات القادمة ستشهد مناطق صراع ثلاث وفى أي منطقة يحسم الصراع لصالح الولايات المتحدة سيرسم قوس الهيمنة تلقائياً ويحدد هذه المناطق فىالقوقاز وأسيا الوسطى والمنطقة الأفريقية ,وإذا ما إستطاعت الولايات المتحدة حسم الصراع في كل هذه المناطق فإنها تكون قد أكملت هيمنتها على العالم .
يرى المؤلف أن الولايات المتحدة ستكون اللاعب الأكثر أهمية في منطقة القوقاز وأسيا الوسطى في السنوات القادمة ،ويبرر ذلك بكون الولايات المتحدة القوى العظمى الوحيدة وهي الدولة الوحيدة الراغبة في الهيمنة ويحدد النظرة الأمريكية لدول القوقاز وأسيا الوسطى بأنها(منطقة النفاذ للمناطق الأسيوية المهمة , وحاجب الموارد عن اللاعبين الأساسين )،ويخلص المؤلف إلى أن منطقة أسيا الوسطى والقوقاز ستكون على الأرجح المنطقة الأهم للصراع الدولي المقبل وهي ستقع ضمن قوس الهيمنة الجديد الذي تخطط له الولايات المتحدة , وهي منطقة ستتشابك فيها المصالح وتتصادم فيها الإستراتيجيات الكبرى، ويؤكد أن أفريقيا ستشهد خلال القرن الحادي والعشرين الكثير من الصراعات بين القوى العظمى لكنها ستتركز حول المفاصل الحيوية ويتوقع أن يكون بين قوتين رئيسيتين هما الولايات المتحدة وأوربا, وربما الصين وفرنسا،ويعتقد المؤلف أن هناك قوتان مؤثرتان في القارة الأفريقية هما الأمة العربية وجنوب أفريقيا ويرى أن الدور الليبي هو الرائد في هذا الإتجاه (حيث إنطلق الإتحاد الأفريقي كتعبير عن الأهمية والمباشرة لهذا الدور).
ويرى أن القرن الأفريقي هو منطقة الصراع حيث أن الولايات المتحدة موجودة فى الجانب الأسيوي المطل على المنطقة فيما يخضع الجانب الأفريقي للنفوذ الأوربي( ولعل ما يحدث في الصومال ودار فور ,والقرصنة وكل ذلك يؤكد ما ذهب إليه المؤلف) .
ويرى أن المغرب العربي الكبير بما يتوفر له من موقع وثروات وروابط متينة مع فرنسا وأوربا ما يثير قلق الولايات المتحدة وعدم رضاها فكانت محاولات عرقلة إتحاد المغرب العربي والإلتفاف على حوار(5+5)و إن ما يحدث في أفريقيا الأن من قلاقل داخلية ليس حراك عفوياً با هو أفعال مصطنعة هدفها خلق فراغ سياسي.
يتناول الفصل الثالث مفاتيح التدخل في مناطق الصراع الدولي ويرى أن هناك ذرائع وأسبا ب ستستخدم في التدخل سواء لرسم خريطة العالم الجديدة أو لتغيير الأنظمة والحكومات التي لا تتكيف مع سياستها وهي التي سترسم قوس الهيمنة الأمريكي الجديد ومن هذه الذرائع الإرهاب ,والسيطرة على التسلح ,والديمقراطية ,وحقوق الإنسان ,وتقرير المصير وهو من أشد المفاهيم غموضاًفقد خضع ولايزال لمجادلات فكرية وقانونية ,ومصدر ذلك عمق التناقضات السياسية التي سيخلقها تطبيقه كما يرى المؤلف، ويذكر أسباب مستجدةللتدخل منها فرض الديمقراطية, والبيئة والموارد الطبيعية وقضايا السكان والهجرة.
أماالفصل الرابع فقد عنونه بشقوق الهيمنة حيث يرى المؤلف أن العصر الحاضر أفرز الولايات المتحدة كقوة متفردة وذلك وضعاً يسمح لها ضاهرياً على الأقل برسم قوس الهيمنة الجديد دون إزعاج يذكر لكن الواقع غير ذلك, فقد برزت تحديات جديدة تكشف عن تشققات عديدة في أقواس الهيمنة القديمة تتمثل في دول أمريكا اللاتينية حيث أن هذه الدول تمثل منافساً قوياً للولايات المتحدة (,البرازيل,الأرجنتين,) لأن هذه الدول تتوفر على موارد طبيعية غنية وهامة وهو ما حدى بها لإنشاء تكتلات إقتصادية قوية .
إن إمكانية الأمم مرهونة دائماً بقيادة إستثنائية في فترات الصراع وأثناء التحولات التاريخية , فهي التي تستمد الإمكانيات وتبلور فكر الأمة وهو ما ينقص البرازيل الأن .
ويختم المؤلف بأن التفوق الأمريكي أصبح من حقائق الحياة حيث أصبحت الولايات المتحدة القوة الأولى إقتصادياً وعسكرياً وثقافيا، فأسلوب الحياة الأمريكي هو السائد عالمياً وهو النموذج المحتذى به ،هذا الواقع ولد إنطباعاً لدى المثقفين والمحليلين بأن هذه السيطرة ستدوم إلى زمن طويل, مما يستلزم ترتيب الأوضاع على هذه الحقيقة , فيما يرى بعض المحليلين الأمريكين ومنهم (كيسنجر)بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على إدامت هذا الوضع , ومنطق التاريخ يؤازر هذا التحليل , فقد علمنا التاريخ أن سيطرة قوة واحدة لأمد طويل مسألة مستحيلة .
إن مرحلة تأكل الهيمنة قد بدأت في الظهور فقد بلغت الهيمنة ذروتها أثناء حرب الخليج عام1991 لكنها بدأت في التراجع بشكل بطيء , إن الخيار الأمريكي سيكون مرهوناً برؤية من يتولى قيادتها فإذا برزت للوجود زعامة تاريخية أخرى إستطاعت تعبئة جهد الأمة وحشد طاقاتها(لعل حالة أوباما الأن ترجح تحليلات المؤلف) أما إذا برز رجال الإدارة وليس رجال القيادة فإن العصر الأمريكي قد ينطوي ليفسح المجال لأمة أخرى تمتلك مقومات الدور العالمي وشروطه مستشهداً بالتاريخ والحقائق الموجودة على الأرض .
الكتاب دراسة مستقبلية إستشرافية للمستقبل مع التعريج على حقائق تمس منطقتنا ومحاولة فهم لهذه الحقائق،والكتاب من الإصدارات الهامة التي تعطي القارىء العادي والمتخصص فهماً عميقاً لحالة الهيمنة الأمريكية السائدة والتي دائماً تثير التساؤل، وهل هي حالة مستمرة ,أم أنها عارضة, فرضتها صيرورة التاريخ وطبيعة الوجود.
كتاب جديراً بالقراءة يزيده أسلوب الكاتب في التعبير عن أفكاره بطريقة سلسة تشد القارىء وتجعله يخرج بإحاطة كاملة للموضوع .





