نواصل الحديث عن الحروب التي مرت على العالم في القرن الماضي، حيث يعتبر القرن العشرون حافلاً بالحروب والنزاعات كما لم يحفل بها قرن أو عصر آخر.
وسنستمر في عرض هذه السلسلة التاريخية المؤلمة ونعـــرض فـــي هــــذا العدد الأحداث المهة والمؤثرة التي وقعت خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945) هـذه المأسـاة التي أبتلــت بها البشريــة والتي أزهقت فيها أرواحًا كثيرة ، وخربت المدن وضاعت بسببها الثروات. الحرب التي شملت العديد من جبهات القتال حتى عمت كل جزء في الكرة الأرضية
تقريباً ، هذه الحرب التي شهدت إلقاء أول قنبلة ذرية في التاريخ .
الحرب التي لم تسجل نتائجها في أي حـــرب أخـــرى مـــن قبــــل ، الحـــرب التي عملت على تقليـص دور دول أوروبا الغربية ، كما أدت إلى ظهور الاتحاد السوفييتي كقوة عالمية كبـرى منافسة للولايات المتحدة واليابان وألمانيا .
لم يتم حصر العدد الحقيقي للقتلى من جراء هذه الحرب ، ولكن أغلب المراقبين أتفـــقوا عـــلى أن عــدد الضحايا أقترب من 51 مليونًا ، تكبّد المدنيون خسائر في الأرواح إبّان هذه الحرب ولــم يعــرف التاريخ لها مثيلاً ، بسبب القصف الجوي على المدن والقرى التي أبتدعها الجيش الألماني على مدن وقرى الحلفــاء مما أستدعى الرّد بالمثل من قبل الحلفاء ، فسقط العديد من الضحايا المدنيين من كلا الطرفين ، أضــــف إلى ذلك المذابح التي أرتكبها الجيش الياباني بحق الشّعبين الصيني والكوري ، ليرتفع عدد الضحايـا من المدنيين الأبرياء والجنود إلى حوالي 51 مليون قتيل.
أسباب نشوب الحرب
تعود جذور الحرب العالمية الثانية إلى التسويات المجحفة التي فرضها الجانب المنتصرعلى المنهزمين بعد الحرب العالمية الأولى في مؤتمر فرساي في العام 1919 حيث أدت الإتفاقية إلى تغيير خارطة العالم .
كما يُرجح الكثير من المؤرخين أسباب الحرب العالمية الثانية إلى المشاكل المتراكمة والتي لم تجد حلاً لها بعد الحرب العالمية الأولى .
لقد أوجدت الحرب العالمية الأولى والمعاهدات التي عقدت عند انتهاءها مشاكل سياسية واقتصادية جديدة حيث كانت كُلاً من إيطاليا واليابان تعانيان بعد الحرب العالمية الأولى من قلة في الموارد ، وكذلك الحال في ألمانيا فقد أبتلى الاقتصاد الألماني بتضخم وصل في سنة 1923 إلى حافة الانهيار، وأنتشر الفقر والبؤس عبر العالــم، مــما أضعــف الــدول وظهرت على المسرح السياسي قوى متطرفة وعدت بإنهاء المشاكل الاقتصادية .
وبرزت الفاشية والنازية في أوروبا متمثلة في الألماني أدولف هتلر ، والإيطالي بنيتو موسوليني وكانا يحلمان بإمبراطوريات قوية وفي أقصى الشرق كانت الأمبروطورية اليابانية لها أحلامها أيضاً وهي أول دولة تبدأ ببرنامج الغزو ، حيث أستولت القوات اليابانية على منشوريا في سنة 1931، وهو إقليم في الصين غني بموارده الطبيعية ، بعض المؤرخين أعتبروا غزو اليابان لمنشوريا هو البدء الحقيقي للحرب العالمية الثانية ، فقد أقدمت اليابان في نهاية سنة 1938 على غزو آخر أحتلت من خلاله معظم أراضي شرقي الصين ،ومن هنا بدأ العمل على تحقيق الحلم الياباني بإخضاع شرقي آسيا للأمبروطورية الياباني. بعد وصول هتلر للسلطة بدأ في بناء قوات ألمانيا المسلحة مخالفًا معاهدة فرساي. وفي 1936 وذلك بإرسال قوات إلى أراضي الراين لاند، وهي منطقة ألمانية تقع على طول شواطئ نهر الراين، وبموجب تلك المعاهدة كان المفروض أن يظل إقليم الراين خاليًا من القوات.
في مارس 1938م توغلت القوات الألمانية في النمسا وضمتها إلى ألمانيا.
وكان النازي أدولف هتلر مهتماً ببناء القوة الألمانية لتصبح آلة حربية قوية، يستطيع من خلالها تنفيذ أحلامه للسيطرة على أوروبا وبالفعل تمكنت هذه القوة من سحق كل من أعترضها ، وفي العام 1939 تم التوقيع على إتفاقية "عدم أعتداء" بين ألمانيا والإتحاد السوفييتي كردة فعل على إتفاقية الدّفاع المشترك بين كلّ من بريطانيا، فرنسا وبولندا.
في شهر الربيع/ مارس 1938 قرر هتلر أن يضرب مرة ثانية بعد فترة قصيرة من إجتياحه للنمسا ، فقد ملكت فكرة السيطرة على أراضي سدتنلاند (السوريت) وضمها ، وهي منطقة تقع غربي تشيكوسلوفاكيا، ومعظم سكانها من الألمان، وفي المقابل قررت تشيكوسلوفاكيا الدفاع عن نفسها ولكن الفارق الكبير في القوة مكَّن الألمان خلال شهر الربيع /مارس 1939 من إستكمال أحتلال كامل تشيكوسلوفاكيا ، وبذلك أضاف هتلر قوات تشيكوسلوفاكيا المسلحة وصناعتها إلى قوة ألمانيا الحربية ، كانت الانتصارات سهلة المنال للقوات الألمانية ، وبدت عصبة الأمم عاجزة عن وقف هذه التحركات الألمانية ، وكان التحالف بين ألمانيا وإيطاليا عام 1936 والذي عرف بمحور برلين ـ روما والذي والذي أنضمت إليه اليابان في عام 1940 ساهم في زيادة التوثر في كل الجبهات .
إجتياح بولندا
حققت ألمانيا خلال السنة الأولى للحرب سلسلة من الانتصارات السريعة في كل أوروبا تقريباً ، وحاولت أن تضرب بريطانيا لكي تستسلم، ولكنها فشلت. بعد أن أحتل هتلر تشيكوسلوفاكيا، بدأ يطالب بالمزيد من أراضي بولندا وتعهدت بريطانيا وفرنسا بمساعدة بولندا إذا هاجمتها الجيوش الألمانية.
وفي الأول من شهر الفاتح / سبتمبر 1939، أقدمت ألمانيا على غزو بولندا، وبعدها بيومين، أعلنت كلّ من بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا.
وقبل أن يتسنّى للجيش البريطاني والفرنسي من تشكيل هجوم على بولندا لدحر الجيش الألماني ، كانت القوات النازية قد انتهت من السيطرة على بولندا وإنهاء أي مقاومة من الجيش البولندي في غضون 3 أسابيع فقط .
في الشهر نفسه دخلت إيطاليا واليابان الحرب ، وسرعان ما أمتدت الحرب إلى اليونان وشمال أفريقيا.
كانت بريطانيا وفرنسا تأملان أن يتمكن الاتحاد السوفييتي من مساعدة بولندا، ولكن العالم صُدم حين وقع هتلر وستالين في 23 من شهر هانيبال /أغسطس 1939 ميثاق عدم أعتداء حيث أتفقتا ألا تعلن إحداهما الحرب على الأخرى، وأتفقتا سرًا على تقسيم بولندا فيما بينهما.
عندما غزت ألمانيا بولندا، وبدأت الحرب العالمية الثانية ، كان لبولندا جيش كبير إلى حد ما ولكن عتاده ومعداته تفقتر للحداثة ، وتوقع الجيش البولندي أن يحارب على طول الحدود البولندية، ولكن أسلوب الحرب الخاطفة التي أنتهجها الألمان والتي ركزت على السرعة والمفاجأة ، أوقعت الجيش البولندي في فوضى عظيمة ، وأقتحمت الدبابات الألمانية الدفاعات البولندية، وتوغلت، في عمق البلاد قبل أن يكون لدى الجيش البولندي وقت للرد ، وضربت الطائرات المقاتلة خطوط المواصلات ، قاتل البولنديون بشجاعة ولكن الفارق الكبير في ميزان القوة أفشل دفاعاتهم ، كما أن غزو القوات السوفييتية لبولندا من الشرق في 17 من شهر الفاتح / سبتمبر 1939 أستكمل أحتلال الثلث الشرقي من بولندا وحركــت فرنــسا قواتها إلى خط ماجينو، وهو حزام من الصلب والقلاع الحصينة بُني بعد الحرب العالمية الأولى على طول حدودها مع ألمانيا، وأرسلت بريطانيا قوة صغيرة إلى شمالي فرنسا، وفي المقابل وضعت ألمانيا قوات على خط سيجفريد، وهو خط من الدفاعات تم بناءه في الثلاثينيات مقابل خط ماجينو.
غزو الدنمارك والنرويج
في شهر الطير/أبريل 1940 غزت القوات الألمانية النرويج ، وحاولت بريطانيا مساعدة النرويج، لكن القوة الجوية الألمانية حالت دون وصول القوات البريطانية ، وسقطت الدنمارك في يد الألمان في شهر الصيف/ يونيو 1940، وهكذا أصبحت النرويج قاعدة للغواصات والطائرات الألمانية. الحرب في أوروبا كانت الدول التي يطلق عليها الأراضي المنخفضة، وهي بلجيكا ولوكسمبرج وهولندا تأمل أن تظل محايدة في هذه الحرب، ولكن ألمانيا خيبت أمالهم وشنت حربًا خاطفة ضد هذه الدول في 10 من شهر الماء / مايو 1940، وطلبت هذه الأقطار مساعدة الحلفاء، لكن بعد فوات الأوان وأستسلمت لوكسمبرج في يوم واحد وهولندا في خمسة أيام، واندفعت القوات البريطانية والفرنسية إلى بلجيكا حيث سقطت في المصيدة الألمانية، وعندما كانت قوات الحلفاء تتسابق في اتجاه الشمال قطع الغزو الألماني عليها الطريق من الخلف عبر غابة أردينز البلجيكية ، وحوصيرت أغلب قوات الحلفاء في بلجيكا. استسلمت بلجيكا في يوم 28 من شهر الماء / مايو 1940 ، وترك إستسلام بلجيكا قوات الحلفاء المحاصرة في خطر كبير ، وأخدت هذه القوات في الإنسحاب تجاه ميناء " دنكرك " الفرنسي على القنال الإنجليزي، وأرسلت بريطانيا كل الطائرات المتاحة لديها لإنقاذ القوات ، من مدمرات ويخوتًا وعبّارات ومراكب صيد وقوارب ، وبالرغم من القصف العنيف تم إجلاء نحو 338 ألفا من القوات خلال الفترة من26 من شهر الماء / مايو إلى 4 من شهر الصيف / يونيو، وتم أنقاذ الجيش البريطاني من فناء محقق . وقد ترك الجيش وراءه دباباته ومعداته ، كما أستسلمت قوات الحلفاء التي لم تستطع الخروج.
سقوط فرنسا
توقعت فرنسا أن تقاتل الجيش الألماني على طول جبهة ثابتة، ولذلك دعمت خط ماجينو للدفاع عن نفسها، لكن الدبابات الألمانية والطائرات التفت حول خط ماجينو، وفي شهر الماء /مايو 1940 شنت القوات الألمانية هجومًا خاطفاً اكتسحت به فرنسا وفي 10 من شهر ناصر / يونيو، أعلنت إيطاليا الحرب على فرنسا وبريطانيا . دخلت القوات الألمانية باريس في 14 من شهر ناصر/ يونيو 1940 ، أستعرضت القوات الألمانية المنتصرة في شارع الشانزيليزيه الباريسي الشهير، وكان إستسلام فرنــــسا ، تــرك بريطانــيا وحدهـــا فــي الميدان في مواجهة آلة الحرب الألمانية.
هرب الجنــرال شارل ديغول إلى بريطانيا وأخد في حـث الشعـب على الإستمرار في المقاومة ضد ألمانيا عبر إذاعة موجهة إلى فرنسا، وظهرت قـوة فرنسية تجمعت حول ديجول عرفت بقوات فرنسا الحرة .
فــي شـــهر الفاتح / سبتمبر 1940 بــدأت الغارات الجوية الألمانية الخاطفة على لندن وكــان سكــان لنــدن يلتجئــون إلــى أنـفاق القطارات ليحتموا من الغارات الليلية .
أعتقد هتلر أن بريطانيا سوف تبحـــث عن السلام مع ألمانيا بعد سقوط فرنــــسا، لكن بريطانيا واصلت الحرب وحدها ، وأستعـد هتلر الاستعدادات لعبور القنال الإنجليــزي وغزو جنوب إنجلترا، ولكــن القــوات الجويــة البريطانيـة، كانت بالمرصـــاد لأي محاولـة ألمانيــة لغـــــزو بريطانيــا .
في شهــر هانيبــال / أغســــــطس 1940 بدأت القوات الجوية الألمانية الهجوم على قواعد القوات الجوية البريطانية ، لكن محطات الرادار البريطانية على طول الساحل الأنجليزي ساهمت في إفشال هذه الهجمات لإنذارها باقتراب الطائرات الألمانية، وساعدت القوات الجوية البريطانية في أعتراضها، كان قرار هتلر بإنهاء هجومه على (القوات الجوية البريطانية) قد ساعد بريطانيا على إعادة بناء قواتها الجوية. وكان إنقاذ بريطانيا مهما للغاية في الحرب فيما بعد؛ لأن بريطانيا أستخدمت كقاعدة لتحرير أوروبا من الحكم النازي.
الحرب في صحراء شمال أفريقيا
قبل إندلاع الحرب العالمية الثانية كانت الفكرة السائدة في التعبئة للقتال في الصحراء إنه من الصعب إجتياز الصحراء والقتال فيها إلاَّ بمعدات خفيفة وقوات برية محدودة ، وقد درس كل من الألمان والبريطانيين والإيطاليين خصائص الصحراء ووضعوا قواعد وأسس للقتال بالصحراء ولقد دارت معارك طويلة في الصحراء عرف فيها الجانبان النجاح والفشل وبرزت فيها دروس هي الآن مبادئ راسخة في حرب الصحراء .
خلال شهر الصيف "يونيو" 1940 هاجمت القوات الإيطالية الصومال البريطاني وبعد قتال قصير تغلبت على الحامية الضعيفة ، كما تمكنت القوات الإيطالية من الأستلاء على كسلا والقلابات وترموك في جبهة السودان .
وفي الصحراء الغربية كانت القوات البريطانية تمهد للعمليات البرية المنتظرة وتركز على الهجمات الجوية والبحرية وذلك بضرب المناطق الساحلية في برقة وميناء البردية والقاعدة الجوية في بومبة كما أغارت القاذفات البريطانية على خطوط المواصلات الإيطالية والقواعد في برقة وطرابلس ، وفي نفس الوقت كان الطيران الإيطالي يقصف السلوم ومرسى مطروح والإسكندرية ، في بداية المواجهات قرر الجنرال ويفل القائد العام البريطاني بالشرق الأوسط عدم مقاومة الإيطاليين على الحدود وفضل الانسحاب شرقاً حتى منطقة مرسى مطروح لكي تتمكن قواته من القيام بهجوم مضاد لطرد القوات الإيطالية .
في نهاية شهر ناصر"يونيو" أخذت القيادة الإيطالية ، حشد قواتها على الحدود بين ليبيا ومصر وفي 13 من شهر الفاتح"سبتمبر" تقدمت قوة كبيرة من الجيش اٌيطالي وعبرت الحدود تسترها نيران المدفعية حتى وصلت منطقة سيدي براني ، عندها قامت القيادة الإيطالية بتحويل منطقة سيدي براني إلى قاعدة أمامية إدارية .
وتراوح القتال طوال عامين كرًا وفرًا عبر ليبيا ومصر. وقاتلت قوات من أستراليا ونيوزيلندا والهند وجنوب إفريقيا مع القوات البريطانية كي تبقى قوات المحور بعيدة عن مصر.
لأنه في حالة سيطرى قوات المحور على مصر فسوف يؤدي ذلك إلى حرمان بريطانيا من كل حقول النفط في الشرق الأوسط ومن قناة السويس، وهي أقصر طريق بحري إلى آسيا.
وضربت بريطانيا الإيطاليين من الخلف في ديسمبر 1940م لتطردهم عن مصر.
أرسل هتلر وحدات دبابات مدربة على حرب الصحراء لتساعد الإيطاليين في شمال إفريقيا، وعرفت وحدات الدبابات باسم الفيلق الإفريقي الذي كان يقوده اللواء إيروين روميل. وكان من شأن تحركات روميل الذكية أن أطلق عليه لقب ثعلب الصحراء الذي أشتهر به. وخلال فصل الربيع أستعاد روميل الأراضي الليبية التي فقدها الإيطاليون ، وخلال شهر الماء / مايو 1942 أندفعت قوات المحور عبر الخطوط البريطانية ، ووصلت إلى العلمين على بعد 320 كم من قناة السويس. ورغم ذلك لم تستطيع القوات الألمانية من إنقاد موسوليني في شهر الماء / مايو 1941 بشرقي إفريقيا ، فقد هزمت بريطانيا الإيطاليين في الصومال البريطاني وأثيوبيا .
تدخل ألمانيا في شمال أفريقيا كان بقرار مباشر من هتلر لمد يد العون لحلفاءه الايطاليين وحتى لا يحدث لهم إنهيار، عندما أتضح ضعف القوات الايطالية وإنهيار روحها المعوية وأحتمال ضياع طرابلس . ولذلك تحركت بعض التشكيلات الألمانية إلي ايطاليا وصقلية ووصلت بعض عناصرها المدرعة إلى طرابلس في أوائل شهر النوار /فبراير 1941، وكانت التحركات الألمانية غاية في السرية ولم تصل سوي تقارير غامضة إلى القيادة البريطانية عن هذه التحركات الألمانية نظراً لقلة عملائها في طرابلس وإيطاليا ، قدر الجنرال ويفل بناءً على هذه المعلومات الغير دقيقة أن أي قوات ألمانية تنزل في طرابلس لن تتمكن من التدخل ضد قواته في برقة قبل مضي شهرين على وصولها ، وعلى هذا يمكن تأمين برقة خلال هذه الفترة بفرقة مشاه ولواء مدرع ، كما قدر ويفل انه ليس من الضروري أن تكون هذه القوات تامة الأعداد و التدريب ، مادام الوقت اللازم سيتوفر لها في برقة للتدريب قبل وقوع العمليات المنتظره .
أخذ موقف القوات البريطانية في برقة يزداد حرجاً بعد إستيلائها على بنغازي فقد أشتدت وطأة الهجمات الجوية الألمانية على الميناء مما أضطر البحرية البريطانية إلى وقف إرسال بواخرها إلى بنغازي ، بذلك أصبح الأعتماد على ميناء طبرق للتزود بالتموين ، وهكذا أصبحت القوات الموجودة جنوب بنغازي تعتمد في تموينها على خط مواصلات طوله 200 ميل .
بالرغم من سوء موقف القوات البريطانية فقد صدر أمر بالتقدم من أجدابيا لإحتلال العقيلة واتخاذ موقع دفاعي غربها يستند إلي موانع طبيعية . ولكن استحال تنفيذ هذا الأمر الذي كان يعني تقدم القوات مسافة 40 ميلا أخري.
مارس 1941 في خلال شهر النوار / فبراير بدأ فيلق أفريقيا الألماني في الوصول إلي شمال أفريقيا محاطاً بستار من الكتمان بحيث لم تستطيع قيادة الشرق الأوسط تحديد تشكيله أو موعد ضربته المنتظرة .وكان الفيلق مسلحاً تسليحاً جيداً بأحدث وأقوي الدبابات ، والعربات النصف مجنزرة والمدافع ذاتية الحركة . كما كان لديه كل ما يلاءم العمليات الصحراوية وتتكون القوات الألمانية من خيرة الجنود المدربين تدريباً خاصاً عالياً على عمليات الصحراء كما كانت روحهم المعنوية عالية جداً ، بالإضافة إلى قائده الجنرال اروين روميل القائد المحنك وأحد القلائل في الجيش الألماني الذين برعوا في سرعة استغلاله للمواقف ، كما كان رجل عسكري منظماً وأدارياً من طراز ممتـاز ، كان الغرض الأساسي من إرسال قوات ألمانية إلي طرابلس هو الاحتفاظ بإقليم طرابلس لأنه لم يكن هناك حينئذ أي تفكير هجومي وعندما وصل روميل الذي كان تفكيره دائما هجومياً قرر عدم جدوى السياسة الدفاعية ، لذلك قرر التقدم شرقاً إلي أقصي مدي ممكن بكل سرعة لمنع البريطانيين من تثبيت أقدمهم في برقة ، وكان هذا القرار رغم معارضة الجنرال غاريبالدي - القائد العام الايطالي - الشديدة لأن مابقي تحت قيادته من قوات إيطالية في ذلك الوقت لم يكن يتجاوز أربع فرق مشاة حالتها المعنوية سيئة وتسليحها ضعيف . في 31 الربيع / مارس بدأ روميل هجومه المضاد الأول في برقة وأستمرت عملية الاستطلاع أسبوعا كاملا . وكانت عملياته خلال الأيام الثلاثة الأولي محدودة ألمدى إلا أنـــه نجح في الإستيلاء على كافة المواقع البريطانية بين سرداه ومرسي البريقة من اليوم الأول للهجوم . وأخذت طلائع الجيش البريطاني في الإنسحاب ببطء حتى وصلت في مساء يوم 2 الطير/ أبريل شمال أجدابيا حيث أبدت بعض المقاومة ، كانت القوات التي اشتركت في الهجوم مشكلة من فرقة ألمانية مدرعة خفيفة وفرقة مدرعة مشاة راكبة ، تساندها قوة جوية كبيرة. وأستمر الطيران الألماني في ضرب الفرقة البريطانية المدرعة المنسحبة، وقد أصيبت مقدمة الفرقة بخسائر جسيمة وخاصة في عربات اللاسلكي مما أدي إلي فقدها الاتصال الداخلي مع وحداتها منذ يوم 4 من شهر الطير / أبريل ، وقد تم أسر الجنرال نيم خلال هذه العمليات بينما كان في المنطقة الأمامية، وظلت رئاسة الفيلق البريطاني دون قائد خلال الايام التي أعقبت الانسحاب من درنة مما كان سبباً في حالة الفوضى التي سادت الميدان بعد ذلك .
صدرت الأوامر من القيادة البريطانية للدفاع عن طبرق بالرغم من قلة القوات البريطانية الموجودة في الميدان عندئذ، وكانت الاسباب التي دعت ويفل الى اتخاذ هذا القرار هي محاولة حرمان روميل من قاعدة للتموين مما يطيل خط مواصلاته ولتوفر المياة بمنطقة طبرق وأيضاً لأمكانية القوة المسيطرة على طبرق من تهديد المحور لو حاولت قواته الإستمرار في التقدم شرقاً ولحرمان قوات المحور من كميات التموين المكدسة في طبرق .
لم تكن قوات المحور في المنطقة الأمامية كافية لحصار طبرق مع إستمرار التقدم شرقاً وعلى ذلك قرر روميل الهجوم على طبرق وأحتلالها قبل إستئناف تقدمه وقد شن الهجوم الأول يوم 14 الطير/ أبريل خلال عاصـــــفة رملية هائلة وقد نجحت الدبابات في إختـــــراق الدفاعـــات الخارجية الا ان الفرقـة الاسترالية تمكنـــت من صـــد الهــــــجوم ومن إقتناص عدد كبيـــر من الدبابات الألمانيـــة مما أضطرها إلى الانســـحاب ، ونــــظراً للخسائر الكبيــــــــــرة للألمان في الدبابات قرر روميل الإنتــــظار حتى للهجوم .
وكان الجنرال ويفل منذ بداية شهر مايو يقدر دائما أهمية الإسراع في القيام بهجوم في منطقة الحدود المصرية ، وذلك قبل أن تصل الإمدادات الألمانية من طرابلس إلى المنطقة الأمامية للقتال ، ولقد أغراه فعلا ضعف الألمان في منقطة الحدود ، على القيام بهجوم في 15 الماء / مايو للاستيلاء على السلوم ، لتكون قاعدة للهجوم .
ألا أن قوة الصحراء الغربية منيت بالفشل : ونتيجة لذلك قام الألمان بهجوم مضاد أستولوا فيه على ممر حلفاية وأخذوا في تعزيزه بسرعة . في ليلة 16/17 الصيف يونيو تحركت القوات البريطانية جنوباً لمهاجمة الدبابات الالمانية بمجرد تحرك القوات البريطانية جنوبا حتى تقدمت مجموعة مدرعة المانية من البردية لمهاجمته ، ساء موقف القوات البريطانية خلال يوم 17 نظرا للضغط المتوالى للقوات المدرعة الالمانية من الشمال والغرب ولم يكن لدى القيادة البريطانية اكثر من 40 دبابة متوسطة ومشاة بينما لا يزال لدى القيادة الالمانية حوالي 200 دبابة ولذلك أمر الجنرال ويفل بايقاف الهجوم والانسحاب الى ماوراء الحدود المصرية .
وبعد هذا الفشل سحبت الفرقة 7 المدرعة الى مرسى مطروح لاعادة تنظيمها بينما تركت وحدات المشاة والمدفعية لمراقبة الحدود .
أتمت قوات المحور تحصين مواقعها الدفاعية عند الحدود المصرية في منطقة الحلفاية والسلوم وسيدي عمر والبردية وأحاطتها بحقول كبيرة وكانت الدفاعات مكونة من عدد من النقط القوية بكل منها عدد من دشم المدافع المضادة للدبابات وبذلك أصبحت تلك المنطقة منطقة ارتكاز حصينة لقوات روميل المدرعة للعمل منها ضد أي تقدم بريطاني نحو طبرق وقد أحتلت هذه المنطقة الامامية فرقة سافونا الايطالية وكتيبتان ألمانيتان بينما وزعت باقي القوات المحورية لمراقبة طبرق كما أحتفظ روميل بفرقتيه المدرعتين في الاحتياطي بين طبرق والبردية ...
نهاية الجزء الأول من الحرب العالمية الثانية وإلى اللقاء في الجزء الثاني والذي سنستكمل فيه باقي أحداث هذه





