رؤية لبناء الجيش الليبي

في ظل التهديدات والتحديات الراهنةمن خلال تحليل وتقييم التهديدات والأسباب التي تحول دون تحقيق الأمن والاستقرار الحقيقي في ليبيا يتضح جلياً عدم وجود جيش حقيقي يكون ركيزة للأمن والاستقرار في الدولة،

الأمر الذي يتطلب رؤية لبناء الجيش الليبي في ظل التهديدات والتحديات الراهنة، وأمام الدولة خياران لبناء الجيش، هما الخيار الوطني والخيار الدولي.لم تملك ليبيا جيشاً حقيقياً بالمعنى المتعارف عليه طيلة عقود حكم النظام السابق، الجيش لم يكن إلا عدداً من الوحدات الأمنية حظيت بعناية واهتمام خاص تمثل في التدريب والتسليح الجيد والإمكانيات والمزايا الخاصة، مهمتها وعقيدتها الدفاع عن النظام، أما الوحدات العسكرية الأخرى فلم تحظ بأي اهتمام أو رعاية، بل تم تنصيب قيادات موالية ومستفيدة من النظام عليها، جلهم فاسدون إدارياً ومالياً للسيطرة عليها والإمعان في تهميشها والإبقاء عليها في مستوى متدن.

عندما انتفض الشعب الليبي في ثورة 17 فبراير زج النظام السابق بوحداته الأمنية للقضاء على الانتفاضة، وعندما بدأ يعاني من نقص في القوات بدأ بالزج بباقي الجيش المهمش الذي لم يكن موالياً للنظام باستثناء القلة القليلة من الفاسدين والمستفيدين وعديمي الوطنية، ولم يكن الجيش راضياً عن عمليات الإبادة التي كان يقوم بها النظام ضد الشعب، فانشق الكثير من الضباط وضباط الصف والجنود عن النظام وانضموا لصفوف الثورة، والكثير تخلوا عن النظام بالبقاء في بيوتهم أوبانتهاج نهج السلبية، وحتى الذين أجبروا على المشاركة في العمليات القتالية لم يقاتلوا بفاعلية.

خلال الانتفاضة أٌبيدت أغلب الوحدات الأمنية، وجل من بقى من أفرادها على قيد الحياة إما فر إلى خارج البلاد أو تم القبض عليه وتم حبسه إلى حين محاكمته، أو بمعنى آخر فإن الوحدات الأمنية انتهت وأصبح لا وجود لها، وما بقي من الجيش هو الجيش المهمش ضعيف التدريب والتسليح والتنظيم؛ ولهذا لم يكن باستطاعته أن يلعب دوراً حقيقياً في حفظ أمن واستقرار البلاد بعد الثورة، وإنما تم الاعتماد شبه الكلي على تشكيلات الثوار في حفظ الأمن والاستقرار، ولكن الثوار مكون مدني يضم شرائح المجتمع المختلفة أجبرهم ظلم وطغيان النظام السابق على اللجوء لحمل السلاح وأن يكونوا مقاتلين، وهم يملكون الحماس والوطنية، ولكن تنقصهم الخبرة والمهنية، أما الآن فقد انتهت مرحلة الثورة وبدأت مرحلة بناء الدولة التي تؤمن الحياة الكريمة للمواطن وتصون حريته وتحفظ حقوقه، وفي غياب جيش حقيقي وشرطة قوية ومؤسسات فاعلة للدولة، وفي ظل انتشار الجريمة المنظمة والمجموعات المسلحة المختلفة وانتشار السلاح وعدم قدرة الدولة على فرض هيبتها وبسط سيطرتها على كامل تراب الوطن فإن مستقبل الدولة والمواطن في خطر حقيقي، لن تكون هناك ديمقراطية حقيقية ولا قضاء مستقل ولا إعلام حر ولا ازدهار اقتصادي ورخاء معيشي، ولن يكون هناك أمن في ظل غياب جيش حقيقي وقوي عقيدته حماية الديمقراطية وحماية البلاد من التهديدات الداخلية والخارجة، إذن السؤال الذي يطرح نفسه هو:

ما هو السبيل إلى بناء الجيش في ظل التهديدات والتحديات الراهنة ؟

ليبيـــــــا:
تتمتع ليبيا بموقع إستراتيجي في وسط شمال إفريقيا، وتملك كميات مهمة من النفط والغاز، فهي تمتلك 76.4 مليار برميل، وهو أكبر احتياطي نفط في إفريقيا وخامس أكبر احتياطي نفط على مستوى العالم، وتمتلك ساحلاً جميلاً غنياً بالثروات البحرية به بعض المواقع الأثرية تجعله مناسباً للصناعة السياحية بالإضافة إلى الموارد الطبيعية الأخرى، والمجتمع الليبي متجانس لا توجد به أي طوائف دينية ولا اختلافات ونزاعات عرقية، فالأقليات العرقية المكونة للشعب الليبي هي أقليات صغيرة ومحدودة من ناحية العدد والتنوع، وتعيش في سلام ووئام شأنها شأن أي مكون آخر للشعب الليبي، ووسط إقليمي آمن، فلا توجد أي خلافات حدودية أو عداء ما بين ليبيا والدول المجارة لها، بل تمثل الدول المجاورة عمقاً إستراتيجياً آمناً لليبيا بحكم الانتماء الواحد للأمة العربية والإسلامية، ودعم دولي للتغيير الديمقراطي في ليبيا، كل هذا التجانس والإمكانيات والمعطيات يمكن أن تجعل من ليبيا دولة ديمقراطية حديثة آمنة تؤمن الحياة الكريمة والرفاهية لمواطنيها، وتجعل منها مركز جذب للاستثمار الأجنبي وقبلة للسياحة الدولية إلا أن ليبيا تواجه بعض التهديدات التي تحول دون تحقيق هذه الصورة الجميلة، بل قد تجعل منها بؤرة توتر وفوضى تؤثر سلباً على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي ما لم يتم التغلب على تلك التهديدات ووضع حد لها.

التهديدات التي تواجه ليبيا:

عدم وجود جيش حقيقي والاكتفاء بوحدات وأجهزة أمنية مهمتها حماية النظام وعدم وجود مؤسسات حقيقية وقوية بالدولة، فبمجرد سقوط النظام السابق تلاشت الوحدات والأجهزة الأمنية وأصبحت الدولة معطلة أمنياً وإدارياً، وكان لا بد من ملء الفراغ الأمني والإداري تلافياً لانزلاق البلد في دوامة من العنف والفوضى، فقام الثوار والليبيون الشرفاء بتأسيس مجالس عسكرية ومجالس محلية لإدارة البلد أمنياً وإدارياً إلا أن اتساع الرقعة الجغرافية للبلد ووجود طابور خامس يشد للخلف ووجود شريحة من المجتمع تنقصها الوطنية تريد استغلال الوضع والحصول على مكاسب مادية بطرق غير مشروعة مع قلة عدد الثوار الحقيقيين ومحدودية إمكانياتهم كان من الطبيعي أن يحدث درجة من الانفلات الأمني ويظهر تهديدات تتزايد مع مرور الوقت ويشكل تهديداً حقيقياً لأمن واستقرار البلد ما لم يتم التغلب على هذه التحديات والسيطرة على الوضع، وهذه التهديدات هي:
1. رموز النظام السابق الفارون وخاصة الذين استوطنوا الدول المجاورة.
2. مؤيدو النظام السابق في الداخل الذين يتلقون التعليمات والدعم من الرموز الفارين.
3. التشكيلات والمجموعات المسلحة المختلفة:
بعد تحرير طرابلس ظهرت تشكيلات مسلحة ومجالس عسكرية عديدة، وكل ادعى انتماءه لثورة 17 فبراير ومساهمته فيها، وبذلك حدث نوع من الفوضى، وأصبح من الصعب التمييز ما بين الثوار الحقيقيين والثوار غير الحقيقيين الذين اتخذوا من التشكيلات المسلحة والمجالس العسكرية وسيلة لتحقيق مكاسب مادية أو سياسية، ويمكن تصنيف التشكيلات والمجموعات المسلحة الموجودة حالياً إلى الشرائح التالية:
أ- ثوار حقيقيين: وينضوي تحت هذه الشريحة التشكيلات والأفراد الذين ساهموا فعلاً في ثورة 17 فبراير منذ بداياتها أو في مراحلها المختلفة، وينقسمون إلى قسمين:
1. قسم كان هدفه إزالة النظام، ولم تكن لديه أي طموحات سياسية أو مادية، فبمجرد سقوط النظام السابق وإعلان التحرير تركوا سلاحهم ورجعوا إلى سابق أعمالهم وحياتهم.
2. قسم استمر في حمل السلاح خوفاً من سرقة الثورة من ناحية، ومن ناحية أخرى يريد أن يستثمر مساهمته في الثورة لتحقيق مكاسب مادية وسياسية.
ب- ثوار غير حقيقيين: وهم الذين لم تكن لهم مساهمة حقيقية في تحرير ليبيا، وإنما استغلوا الوضع وركبوا موجة الثورة وقاموا بتشكيل تشكيلات مسلحة أو انضموا إلى تشكيلات الثوار بعد التحرير لتحقيق مكاسب مادية أو سياسية، وهذه الشريحة هي أكبر شريحة، وينضوي تحتها أيضاً الأفراد الذين لا يزالون يكنون ولاء للنظام السابق ومرتبطين برموزه الفارين وقاموا بالانضمام للتشكيلات المسلحة من باب اختراق صفوف الثوار الحقيقيين، وربما بناءً على تعليمات وأوامر من رموز النظام السابق الفارين.
ج- عصابات مسلحة: وينضوي تحت هذه الشريحة المجرمون المدانون في قضايا وذوو النزعة الإجرامية الذين قاموا بإنشاء تشكيلات مسلحة أو انضموا لبعض تشكيلات الثوار أو تشكيلات الثوار غير الحقيقيين لكسب درجة من الحماية وركبوا موجة الثورة، الأمر الذي يساعدهم كثيراً في ممارسة أنشطتهم الإجرامية ( تهريب والاتجار في المخدرات والخمور، تجارة السلاح، السطو، الاختطاف، القتل مقابل المال). 4-انتشار الجريمة المنظمة: وتتمثل في الاختطاف، الاغتيالات، التفجيرات التهريب بمختلف أنواعه، تجارة المخدرات والخمور.

5- آلاف السجناء الذين أطلق سراحهم النظام السابق، وجلهم مجرمون محترفون.
6- الهجرة غير الشرعية.
7- ظهور مجموعات متطرفة تحمل أيديولوجيات متطرفة.
8- وجود نعرات قبلية وعرقية وجهوية في بعض مناطق ليبيا.
9- تفشي الفساد المالي والإداري.

رؤية لبناء الجيش الليبيلكي تفرض الدولة هيبتها وتبسط سيطرتها يجب أن تمتلك مقومات فرض الهيبة والسيطرة، ومن بينها التشريعات والقوانين، ولكن التشريعات والقوانين تبقى حبراً على ورق ما لم تمتلك الدولة القوة التنفيذية لتنفيذها، وعندما نقوم بتحليل وتقييم ميزان القوى الفعلي على أرض الواقع ما بين الجيش وباقي التشكيلات المسلحة بمختلف أسمائها نجد أن كفة ميزان القوة ترجح لصالح التشكيلات المسلحة؛ ولهذا نجد الدولة غير قادرة على فرض إرادتها أو حتى على إخلاء مواقع الدولة التي تسيطر عليها التشكيلات المسلحة، إذن لا بد من تقويم هذا الخلل في توازن القوى، أو بمعنى آخر يجب أن يكون الجيش أقوى بكثير من أي تشكيلات مسلحة متواجدة على الأرض، أي لا بد من الإسراع في بناء جيش قوي يكون مكونه الأساسي دماء جديدة وشابة، أما عناصر الجيش الحالي فتعتبر أساساً يُبنى عليه الجيش، ويجب الاستفادة القصوى من خبرة عناصره في عملية البناء. لكي ننجح في بناء الجيش يجب أن نقوم بدراسة دقيقة وتقييم صحيح للواقع الداخلي والإقليمي وأن يكون حجم الجيش وتسليحه مدروساً دراسة جيدة ومبنياً على ثلاثة عوامل رئيسية:1. حجم التهديدات.2. المهام التي ستناط بالجيش.

3. الإمكانيات المادية المتوفرة.
خيارات الدولة الليبية لبناء الجيش:
الخيار الوطني :
الخيار الوطني هو الاعتماد شبه الكلي على الذات، والاعتماد المحدود على المجتمع الدولي والدول الصديقة في عملية بناء الجيش في مراحله المختلفة، وعملية البناء يجب أن تتم عبر مراحل معينة ومتداخلة مرتبطة ببعضها (النجاح والفشل)، فالنجاح في مرحلة ما يضمن إلى حد كبير نجاح المرحلة التالية وهكذا.
أ- المرحلة الأولى (المرحلة التحضيرية): ويجب أن يتم خلالها الآتي:
1. تحديد حجم القوات المطلوبة لكل سلاح ( بري، بحري، جوي).2. تحديد حجم ونوعية التسليح وفق المهام والمراحل (حجم وتسليح مرحلة المهمة العاجلة يختلف عن مرحلة المهمة الإستراتيجية).3. تحديد المهام العاجلة و الإستراتيجية للجيش.

4. حملة إعلامية مكثفة لكسب دعم الرأي العام لعملية بناء الجيش.
5. الاجتماع بقادة وتشكيلات الثوار الحقيقيين وإشراك قياداتهم في عملية البناء وإشعارهم بأهمية دورهم.
6. الدعوة للانخراط في الجيش وفتح باب التجنيد أمام كل الليبيين وفق معايير محددة.
7. دعوة الثوار الحقيقيين للانخراط في الجيش فرادى وليس في تشكيلات أو جماعات ووفق معايير محددة.
8. حصر كتائب الثوار التي انضمت للجيش ووضع خطة لحلها وإخضاع أفرادها للتدريب والتأهيل وتوزيعهم فرادى على وحدات الجيش.
9.إخلاء معسكرات الجيش من التشكيلات المسلحة وإنشاء مراكز تدريب وتخزين وفق دراسة دقيقة.
10. انتقاء أعداد محددة من المتقدمين للانخراط في الجيش ومن كتائب الثوار التي انضمت للجيش وفق معايير محددة وإخضاعهم لدورات تدريبية مكثفة لتأهيلهم وإعدادهم كمدربين.
11. إعادة تأهيل عناصر الجيش لمهام القيادة والإدارة والتدريب.

12. إعادة هيكلة الجيش وتمركز وحداته وفق التهديدات والمهام.
13. استصدار قوانين صارمة لمحاربة الفساد المالي والإداري في مؤسسات الجيش ووضع آليات لتنفيذها.
14. توريد المعدات والآليات والأسلحة والمهمات المطلوبة.
15.الاستعانة بمستشارين ومدربين من الدول الصديقة عند الضرورة والاستفادة من خبرات الغير.
ب- المرحلة الثانية (مرحلة الإعداد والتأهيل): ويتم خلالها الآتي:
1. استدعاء الذين تم قبولهم للالتحاق بمعسكرات التدريب وكذلك أفراد كتائب الثوار المنضمة للجيش.
2. وضع برنامج تدريبي جيد يؤهل أفراداً على درجة عالية من الانضباط والكفاءة القتالية والوعي.
3. صرف منح مالية جيدة للمتدربين أثناء التدريب ومرتبات جيدة بعد التخرج ليكون ذلك حافزاً للانخراط بالجيش وللعطاء.
ج- المرحلة الثالثة(مرحلة النشر وبدء فرض هيبة الدولة وبسط سيطرتها): ويتم خلالها الآتي:
1. تخريج دفعات متدربين جدد للجيش.
2. منح مهلة زمنية محددة للتشكيلات المسلحة المختلفة بتسليم أسلحتهم وحل تشكيلاتهم وتحديد مواقفهم حيال الخيارات المطروحة عليهم.

3. تنظيم حفل رسمي وشعبي كبير لتكريم تشكيلات الثوار الحقيقيين والإعلان عن حل كافة التشكيلات المسلحة والمجالس العسكرية وأن لا شرعية لأي تشكيل مسلح وسلاح خارج مظلة الجيش والدولة.
4. نشر تشكيلات الجيش في كافة مناطق ليبيا وممارسة مهامه.
5.الاستعانة بمستشارين ومدربين من الدول الصديقة إذا كان ذلك ضرورياً من باب الاستفادة من خبرات الغير.
6. الاستعانة بقدرات وخبرات الدول الصديقة في تأمين الحدود الليبية، ومكافحة الهجرة غير الشرعية وفق اتفاقيات ثنائية واضحة وشفافة وتبصير الشعب الليبي بمضمونها وأهميتها.
التهديدات والمخاطر التي قد تواجه الخيار الوطني:
إن وجود أفراد وجماعات من مختلف شرائح المجتمع في الداخل أو الخارج ليس من مصلحتها أن تقوم الدولة وتفرض هيبتها وسيطرتها على تراب الوطن سيؤدي إلى عرقلة بناء الجيش بطرق عدة؛ لذا يجب أن تضع الدولة خطة لمجابهة تلك التهديدات والمخاطر، والشرائح التالية ستشكل مصدر التهديد:
1. رموز النظام السابق الفارون ومؤيدوهم في الداخل الذين يدركون أن قيام الدولة واستقرارها أمنياً من نتائجه تفرغ الدولة لملاحقتهم والضغط على الدول التي تؤويهم لتسليمهم؛ ولذا سيبذلون ما في وسعهم لعرقلة بناء الجيش.
2. تجار المخدرات والمستفيدون من أنشطة التهريب المختلفة.
3. المجرمون الذين أطلق سراحهم النظام السابق.
4. بعض التشكيلات المسلحة (الثوار غير الحقيقيين، العصابات المسلحة).

أما صور التهديد فسوف تأخذ الصور التالية:
1. مهاجمة معسكرات التدريب والتخزين وآليات الجيش.
2. اختطاف أو اغتيالات لضباط الجيش وقادة الثوار المساهمين في عملية بناء الجيش.
3. اختطاف اواغتيالات للإعلاميين وناشطي منظمات المجتمع المدني الداعمين لبناء الجيش.
4.تفجيرات تستهدف مؤسسات الدولة.
5. رفض بعض التشكيلات المسلحة لتسليم أسلحتهم وحل تشكيلاتهم وقيام بعضهم بمجابهة الدولة.
6. مهاجمة أفراد وآليات الدول الصديقة المساهمة في عملية بناء الجيش.

ليبيا دولة هشة وفاشلة وأثر ذلك إقليمياً ودولياً:

ليبيا مصنفة من بين الدول الهشة والفاشلة نظراً لعدم قدرة الدولة على السيطرة الأمنية وعجزها على فرض هيبتها وبسط سيطرتها على ترابها وحدودها، ولضعف مؤسسات الدولة انتشر السلاح وكثرت المجموعات المسلحة والمجموعات المتطرفة وزاد نشاط التهريب والهجرة غير الشرعية التي تشكل تهديداً لليبيا وتهديداً إقليميًا ودولياً، وبذلك فإن دول الجوار ربما ستضطر إلى انتهاك سيادة الدولة الليبية لحماية أمنها القومي على سبيل المثال لإحباط عمليات تهريب السلاح إلى أراضيها من خلال قيامها بضرب مجموعات التهريب العاملة على مقربة الحدود داخل التراب الليبي.
الدول الغربية الكبرى تراقب عن كثب حركة السلاح والمجموعات المتطرفة في ليبيا التي تحمل أيديولوجية القاعدة، وتنادي بمعاداة الغرب وضرب مصالحه، عندما تشعر الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا بأن هذه المجموعات المتطرفة قد أصبحت تشكل تهديداً حقيقياً لمصالحها وأمنها القومي فإنها ستقوم بضربات وقائية وذلك بضرب هذه المجموعات داخل التراب الليبي بواسطة طائرات بدون طيار على غرار ما يحدث في باكستان واليمن، وربما تتدخل عسكرياً على الأرض، فالدول الغربية لن تسمح بأن تكون ليبيا أفغانستان جديدة مصدراً للإرهاب الدولي ومأوى للإرهابيين؛ ولهذا يجب أن تدرك الدولة الليبية خطورة عدم سيطرتها الأمنية على ترابها وما قد يترتب عليه من تبعات، فبناء الجيش أمر مُلح ولا بديل عنه، ففي حالة فشل الخيار الأول (الخيار الوطني) يجب على الدولة اللجوء إلى الخيار الثاني وهو الخيار الدولي.

الخيار الدولي:
الاعتماد على المجتمع الدولي (الأمم المتحدة) بشكل رئيسي في عملية بناء الجيش، وهذا الخيار لا يجب اللجوء إليه إلا في حالة فشل الخيار الأول أو أن تشير المعطيات والدلائل إلى عدم نجاحه وأن الخوض فيه مضيعة للوقت.
عندما شعر المجتمع الدولي بأن سقوط النظام السابق أصبح أمراً حتمياً أعدت الأمم المتحدة خطة لمرحلة ما بعد القذافي، الخطة أعدها السيدأيان مارتن، تضمنت الجانب الأمني والسياسي والاقتصادي، حيث تضمن الجانب الأمني تأمين طرابلس عن طريق نشر 200 مراقب عسكري غير مسلح ونشر 78 شرطياً خلال الـ45 يوماً الأولى، و190 شرطياً بعد ثلاثة أشهر بالإضافة إلى قوات حماية مسلحة ومنح دور لقوات الناتو في الخطة، إلا أن المجلس الانتقالي لم يقبل الخطة لإدراكه أن الشعب الليبي لن يقبل أي تواجد أجنبي على الأرض الليبية، وفضل الاعتماد على الذات والمراهنة على الشعب الليبي.
لكن عندما تصبح ليبيا في خطر حقيقي وعلى وشك الانزلاق في فوضى أمنية عارمة وتصبح مهددة بالتدخل الأجنبي فلا خيار للدولة الليبية سوى طلب مساعدة المجتمع الدولي للسيطرة على الأوضاع والمساعدة فى بناء مؤسسات الدولة ومن بينها الجيش، وليبيا لن تكون استثناءً، فقد ساعد المجتمع الدولي العديد من الدول ومن بينها كوسوفو بعد انفصالها عن صربيا، فقد واجهت حكومة كوسوفو الفتية وضعاً أمنياً صعباً تمثل في انتشار السلاح ووجود تشكيلات مسلحة (جيش تحرير كوسوفو)، ولم تستطع السيطرة على الوضع إلا من خلال طلب مساعدة المجتمع الدولي، حيث تضمنت خطة الأمم المتحدة برنامج نزع سلاح المسلحين وحل تشكيلاتهم المسلحة وإعادة تأهيلهم وإدماجهم في المجتمع.
وبالنظر إلى حساسية اللجوء للخيار الدولي وعدم قبول الليبيين للتواجد الأجنبي ولضمان النجاح يجب تهيئة الشعب لقبول هذا الخيار وكسب دعمه له، وذلك عن طريق:
1. تبصير الشعب الليبي بأسباب فشل الخيار الوطني أو سبب عدم تبنيه وبأن المصلحة الوطنية تملي اللجوء للخيار الدولي.
2.حملة إعلامية مكثفة عبر وسائل الإعلام المختلفة لكسب دعم الشعب للخيار الدولي.
المخاطر والتهديدات التي قد تواجه الخيار الدولي:
نفس المخاطر والتهديدات التي قد تواجه الخيار الوطني ونفس الشرائح ستشكل مصدر التهديد.
عقيدة الجيش: يجب أن يشعر الشعب بأن الجيش سند له وليس مصدر خطر عليه، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال عقيدة واضحة ومهام محددة للجيش في السلم والحرب يتضمنها دستور البلاد، فيجب أن تكون عقيدة الجيش مبنية على حماية الديمقراطية وحماية البلد من التهديدات الداخلية والخارجية والولاء الكامل لله ثم الوطن والشعب.

مهـــام الجيــش:
1. مهمة عاجلة: الإسهام في استتباب الأمن والاستقرار والقضاء على التهديدات التي جلها داخلية، والإسهام في فرض سيادة الدولة وحكم القانون في كامل تراب الوطن، والمهمة العاجلة تنتهي باستتباب الأمن واستلام الشرطة وباقي الأجهزة الأمنية مهام الأمن داخل البلاد.
2. مهمة إستراتيجية: حماية الحياة الديمقراطية وحماية البلد من التهديدات الداخلية والخارجية.
3. مهمة طارئة: إسناد مهام أمنية في حالة حدوث أي انفلات أمني أو طارئ والإسهام في حالات الكوارث الطبيعية.

عوامل مهمة لبناء الجيش:
1.الإرادة السياسية: القيادة السياسية هي المسؤولة عن إدارة الدولة، وتستطيع حشد الإمكانيات واستنفار الأمة لأي مشروع؛ لذا فإن الجزء الأكبر من مسؤولية بناء الجيش يقع على عاتقها.
2.الإرادة الشعبية: المواطن الليبي على درجة عالية من الوعي والإدراك لحجم المخاطر والتهديدات التي تواجه البلد، وهو يدرك أن الجيش هو أحد ركائز الأمن والاستقرار؛ لذلك فإن بناء الجيش أصبح مطلباً شعبياً يتزايد يوماً بعد يوماً، ويجب على الحكومة أن تحسن توظيفها.
3. قيادات جيدة: توفر القيادات الجيدة ذات الكفاءة العالية في الهرم القيادي للدولة أمر مهم، فعلى عاتقها تقع مسؤولية انتقاء وخلق الكوادر ووضع السياسات والخطط.
4. خطط جيدة: بناء الجيش يتطلب وضع خطط جيدة مبنية على دراسات دقيقة، الخطط الجيدة هي نتاج طبيعي للقيادات الجيدة؛ ولهذا يجب الانتقاء الجيد لقيادات الجيش على كل المستويات لضمان النجاح.


عوامل مساعدة لبناء الجيش ولحفظ الأمن والاستقرار:
1. المصالحة الوطنية: نظراً للحملة الإعلامية التضليلية المكثفة التي قام بها النظام السابق خلال مرحلة ثورة 17 فبراير، ونظراً لتدني الوعي والمستوى الثقافي لمعظم الليبيين ووجود بعض النعرات القبلية والجهوية ما بين بعض قبائل ومدن ليبيا فقد نجح النظام السابق في شق صفوف الليبين وتفريق قبائله ومدنه ما بين مؤيد ومعارض له، هذا التباين في المواقف لعب دوراً كبيراً في إحياء بعض النعرات القبلية والجهوية، وخلق نوع من الكراهية والعداء ما بين بعض القبائل والمدن الليبية ما قاد إلى مصادمات مسلحة ودموية، وخلق توتراً مستمراً ما بينها، كما أن احتمال تجدد المصادمات في أي لحظة قاد الأطراف المتنازعة إلى التسلح والمحافظة على تشكيلاتها المسلحة؛ ولذا سيكون من الصعب جداَ إقناع أي طرف بتسليم سلاحه وحل تشكيلاته في ظل استمرار التوتر؛ لذا يجب على الدولة أن تسعى لتحقيق المصالحة الوطنية على رأس أولوياتها.

2.الدبلوماسية الحكيمة: يجب أن تمتلك الدولة الليبية دبلوماسية على قدر كبير من الحكمة والنشاط والفاعلية لتوطيد العلاقات وخلق تعاون أمني واقتصادي مع دول الجوار وباقي دول العالم وأن تكون قادرة على احتواء أي توتر يحدث ما بين ليبيا ودول الجوار أو أي دولة أخرى.

3. التعاون الدولي: مساعدة الدول الصديقة ذات القدرات العسكرية والتقنية الكبيرة في تأمين الحدود ومكافحة الهجرة غير الشرعية وتبادل المعلومات الاستخباراتية والضغط على الدول التي تؤوي رموز النظام السابق الفارين لتسليمهم إلى ليبيا سيكون له دور كبير في الإسهام في عملية بناء الجيش وفي حفظ الأمن والاستقرار.

4. تفعيل الشرطة وباقي الأجهزة الأمنية: يجب أن يتم تفعيل الشرطة وما يسمى سابقاً بالأمن الداخلي والخارجي بعد تطهيرهما من العناصر المتورطة في قتل الليبيين، ويجب تطعيمها بدماء جديدة وطنية منضبطة وذات كفاءة وأن تعطى تلك الأجهزة الأمنية أسماء جديدة وتؤهل بعقيدة جديدة.

يجب أن يدرك الليبيون أنه لن تكون هناك ديمقراطية أو قضاء مستقل ونزيه، ولن تكون هناك صحافة حرة تكشف الفساد المالي والإداري وسلبيات الحكومة ولن تأتي الشركات الأجنبية للاستثمار ولن يكون هناك ازدهار اقتصادي ورخاء ورفاهية ما لم يكن هناك أمن حقيقي، والجيش هو أحد ركائز الدولة وعلى عاتقه يقع الجزء الأكبر من حفظ الأمن والاستقرار، ويجب أن يدرك الليبيون أن مهمة بناء الدولة - ومن بينها بناء جيش قوي - ليس مهمة الحكومة ورئاسة الأركان العامة وضباط الجيش فقط، إنما هي مسؤولية الشعب بأكمله، فكل خطط ومحاولات الحكومة لبناء الدولة ستفشل ما لم تتمتع بدعم شعبي، والشعب هو من سيفشل أي مخطط داخلي أو خارجي يستهدف أمن واستقرار البلد، ويجب أن يدرك الليبيون حجم المخاطر والتهديدات التي تهدد البلد وأن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح بأن تصبح ليبيا أفغانستان جديدة تؤوي القاعدة والجماعات المتطرفة، إن الولايات المتحدة والغرب يراقب عن كثب ما يحدث في ليبيا عن طريق جميع وسائـل جمـع المعلـومات الاستخباراتية المختلفة، وعندما يشعر بأن تلك المجموعات المتطرفة قد أصبحت تشكل خطراً حقيقياً على أمنها القومي فإنها ستهاجمها ولن تطلب إذناً من أحد، فقد نشهد عمليات على غرار عمليات طائرات بدون طيار التي تحدث في باكستان واليمن؛ لذا فلا خيار أمام الحكومة والشعب الليبي إلا بناء جيش قوي في أسرع وقت ممكن وقبل فوات الأوان، فكل يوم يمر يجعل عملية البناء أصعب ويزيد من حجم التهديدات، ولا خيار لبناء الجيش إلا الخيار الوطني أو الخيار الدولي. 

قائمة البريد

أشترك فى القائمة البريدية لأستقبال جديد المجلة

للبحث بالمجلة

مؤتمرات و معارض








DubaiHeli

عدد الايام على انتهاء المسابقة 4 شارك فى المسابقة

  • 1.jpg
  • 2.jpg
  • 3.jpg
  • 4.jpg
  • 5.jpg
  • 6.jpg

 

أخبار الحكومة الليبية

المتواجدون بالموقع

54 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

خدمة التغذية الأخبارية لمجلة المسلح

شريط ادوات المجلة